الحكيم الترمذي
82
كيفية السلوك إلى رب العالمين
مسألة : [ في هل للتقسيم حب المعصية في أوقات ؟ ] قال أبو عبد اللّه - رحمه اللّه - : سألت هل للمستقيم حب المعصية في أوقات ؟ أو هل يطلب الورع والمتقي المعصية ؟ فاعلم أن الآدمي له قلب ونفس ، فالقلب معدن الإيمان ، والنفس معدن الشهوات ، وبينهما ساحة واسعة اسمها الصدر ؛ لأن الأمور منه تنصدر إلى الأركان ، فللقلب في هذه الساحة باب ، وللنفس فيها باب ، فمن هذا الباب يفور نور الإيمان وإشراقه في الصدر ، ومن هذا الباب يفور نار الشهوات ودخانها في الصدر ، فيجتمعان في الصدر ، فإذا كان الغالب على هذا الصدر إشراق النور ظهرت الطاعة على الأركان ، وإن كان الغالب في هذا الصدر دخان نار الشهوات ظهرت المعصية على الأركان . فهذه قصة القلب والنفس ، فإذا آمن العبد فإنما يؤمن بقلب ونفس قد ولج فيها نور التوحيد ، فاستقام القلب والنفس للّه موحدا قد عزم القلب على الطاعة ، واجتمعت النفس على الطاعة ، فلزمه اسم الإيمان والإسلام في وقت واحد ؛ لأنه اطمأن بقلبه إلى اللّه ، فهو مؤمن ، وسلّم نفسه إليه في الطاعة فهو مسلم ، ولم يبق في النفس شهوة الشرك ، وبقي سائر الشهوات ، وبالشهوة عبد المشركون الوثن ، واتخذوه شريكا للّه ، تعالى اللّه عن ذلك . فهذا العبد المؤمن لما جاءه نور الهداية ، جامع نور المحبة مع نور العقل ، فهداه حتى وحّد ربّه وأحبّه بنور المحبة ، وزيّن العقل ذلك في قلبه . فإنما قبلت النفس التوحيد بما زين لها العقل ذلك ، فذلك قوله - تعالى - : حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 ) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 8 ) [ الحجرات : 7 ، 8 ] ، من الحكمة فضلها لآخرها فهذا العبد بالرغبة والمحبة ترك شهوة الشرك ، وبنور التوحيد وحّد ، فاطمأن القلب إليه والنفس جميعا ، فلمّا جاء الأمر والنهي وجدت النفس شهواتها عاجلا خلا الشرك ، فامتحن العبد بأن حرّم عليه بعض ما في النفس من كل شهوة ، ليظهر ما في قلبه من صدق الإيمان فيثاب ويعاقب ، فيكون عذرا للّه في القيامة في ثوابه وعقابه ظاهرا . فليس على العبد تبعة ولا لوم في الشهوة ؛ لأنها مركّبة فيه ، ففيه شهوة النساء ، وشهوة المأكول والمشروب والملبوس والمركوب ، وإنما حرّم عليه أن يتناولها من